الشيخ محمد رشيد رضا
466
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عند العرب أربع بحسب مهابها من الجهات الأربع : الشمال والجنوب وسميتا باسم جهة مهبهما ، والثالثة الصبا والقبول وهي الشرقية ، والرابعة الدبور وهي الغربية وأهل الحجاز ينسبون ريح الصبا إلى نجد والجنوب إلى اليمن والشمال إلى الشام ، والريح التي تنحرف عن هذه المهاب الأصلية فتكون بين ثنتين منها تسمى النكباء مؤنث الانكب وهي من قولهم نكب عن الشيء أو عن الطريق نكبا ونكوبا إذا انحرف وتحول عنه ، ومنه ( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ) وإذا هبت الرياح من مهاب ونواح مختلفة سموها المتناوحة . ومن المأثور عن العرب أن الرياح تشترك في إثارة السحاب الممطر فيقولون : إن الصبا تثيره والشمال تجمعه ، والجنوب تدره والدبور تفرقه قال ابن دريد في وصف سحاب ممطر دعا لبلاده به جون اعارته الجنوب جانبا * منها وواصت صوبه يد الصبا ثم قال : إذا خبت بروقه عنت له * ريح الصبا تثير منه ما خبا وان ونت رعوده حدا بها * حادي الجنوب فحدت كما حدا ويختلف تأثير الرياح في الأقطار باختلاف مواقعها منها ، فالصبا والجنوب لا يأتيان بالمطر في القطر المصري لان مهبهما الصحارى التي لا ماء فيها ولا نبات ، وانما تأتي به الشمال والدبور لان مهبهما من جهة البحر المتوسط فيحملان بخار الماء منه ومن الأراضي الزراعية ، وأكثرها في الوجه البحري ، ويب منه في ذلك ديار الشام فان أكثر ما يثير سحاب المطر فيها الدبور ( الغربية ) فإذا هبت الصبا ( الشرقية ) وغلبت انقشع السحاب وخفت رطوبة الجو ، ولعل حكمة الاءتين أن الريح الواحدة تبشر بالمطر أحيانا أو في بعض الأقطار كما تبشر به ريحان في قطر آخر ، أو أن الرياح بأنواعها تبشر بالمطر في الأقطار المختلفة على أن الريح يراد بها عند اطلاقها الجنس وقال الراغب كغيره ان عامة المواضع التي ذكر اللّه تعالى فيها ارسال الريح بلفظ الواحد فعبارة عن العذاب وكل موضع ذكر بلفظ الجمع فعبارة عن الرحمة ، وذكر بعض الشواهد ومن استأ الآيات في ذلك رأى أن الجمع لم يذكر الا في بيان آيات اللّه أو رحمته ولا سيما رحمة المطر ، وأما الريح المفردة فذكرت في عذاب قوم عاد في عدة سور ، وفي ضرب المثل للعذاب كقوله تعالى ( 3 : 117 مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ